لايف ستايل

قلق العودة المدرسية عند الأطفال.. علامات يجب أن ينتبه إليها الأولياء

مع اقتراب العودة المدرسية، تبدأ العائلات في تونس الاستعداد لمرحلة جديدة: اقتناء الأدوات والمحافظ، تنظيم أوقات النوم، تحضير الملابس والكتب، والعودة تدريجيًا إلى نسق الحياة اليومية، لكن خلف هذه الاستعدادات المادية، توجد مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي الحالة النفسية للطفل وقدرته على الانتقال من أجواء العطلة والراحة إلى الالتزام المدرسي.


فالعودة إلى المدرسة ليست دائمًا مناسبة مفرحة بالنسبة إلى جميع الأطفال فالبعض ينتظر لقاء أصدقائه والعودة إلى أنشطته، بينما قد يشعر آخرون بالقلق أو الخوف أو التوتر، خاصة إذا كانوا سيغيرون المدرسة أو ينتقلون إلى مرحلة دراسية جديدة وتؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن بداية السنة الدراسية قد تكون فترة ضاغطة بسبب الخوف من المجهول، مثل معلمين جدد أو أقسام جديدة أو صعوبة الدراسة.
لماذا يشعر الطفل بالقلق عند العودة إلى المدرسة؟


بعد أسابيع من العطلة، يعتاد الطفل على نمط حياة أكثر مرونة: السهر، الاستيقاظ المتأخر، اللعب لفترات طويلة، والسفر أو قضاء وقت أكبر مع العائلة، وفجأة، يجد نفسه أمام جدول مختلف تمامًا، يبدأ بالاستيقاظ المبكر، والذهاب إلى المدرسة، والالتزام بالحصص والواجبات.
هذا التغيير قد يمثل ضغطًا نفسيًا، خصوصًا لدى الأطفال الأصغر سنًا وقد يظهر الأمر في شكل بكاء، تشبث بالأم أو الأب، رفض الذهاب إلى المدرسة أو صعوبة في الانفصال عن الوالدين عند باب المؤسسة.
كما يمكن أن يكون الخوف من المجهول أحد أهم أسباب القلق: من سيكون المعلم؟ هل سأكوّن أصدقاء؟ هل سأتمكن من فهم الدروس؟ هل سأكون في مستوى زملائي؟ وهل ستكون المدرسة الجديدة مختلفة عما اعتدته؟
وفي بعض الحالات، لا يكون القلق مرتبطًا بالدراسة نفسها، بل بالعلاقات الاجتماعية، مثل الخوف من عدم الاندماج أو التعرض للتنمر أو فقدان الأصدقاء.

قلق الانفصال.. تحدٍّ خاص بالأطفال الصغار


بالنسبة إلى الأطفال الذين يدخلون المدرسة لأول مرة أو ينتقلون إلى بيئة جديدة، قد تكون لحظة انفصالهم عن الوالدين هي الأصعب.
ويُعدّ قلق الانفصال من المشاعر التي يمكن أن تظهر خلال الأيام الأولى، وقد يتمثل في البكاء والتشبث بالوالدين أو رفض الدخول إلى القسم وتشير مصادر صحية وتربوية إلى أن هذه المشاعر تكون في كثير من الحالات مؤقتة وتتحسن مع اعتياد الطفل تدريجيًا على البيئة الجديدة.
لذلك، فإن بكاء الطفل في اليوم الأول لا يعني بالضرورة وجود مشكلة نفسية المهم هو متابعة تطور الوضع: هل بدأ الطفل يتأقلم بعد أيام؟ هل أصبح أكثر ارتياحًا؟ أم أن القلق مستمر ويؤثر في حياته اليومية؟
القلق قد يظهر في شكل أعراض جسدية


أحيانًا لا يستطيع الطفل التعبير عن مشاعره بالكلمات، فيترجم الضغط النفسي إلى أعراض جسدية.
فقد يشكو من آلام في البطن، الصداع، الغثيان، صعوبة النوم أو فقدان الشهية، خاصة في الصباح وقبل الذهاب إلى المدرسة وتذكر الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن القلق المرتبط بالمدرسة قد يظهر لدى بعض الأطفال في صورة صداع أو آلام في المعدة، وقد يصل إلى رفض الذهاب إلى المدرسة.
وهنا من المهم ألا نتعامل مع شكوى الطفل باستخفاف، وألا نقول له ببساطة: “ما عندك حتى شيء، امشِ للمدرسة.”
الأفضل أن نسأله بهدوء: ماذا يقلقك؟ ما الذي تخاف منه؟
فقد تكون وراء آلام البطن مشكلة يخشى الطفل الحديث عنها، مثل صعوبة في الدراسة، خلاف مع زميل، خوف من المعلم أو حتى شعور بعدم الانتماء.
النوم.. عنصر أساسي في التوازن النفسي
من أكثر الأمور التي تتغير مع العودة المدرسية مواعيد النوم والاستيقاظ،

فخلال العطلة، قد يتعود الطفل على السهر والاستيقاظ في وقت متأخر، بينما تتطلب الدراسة الاستيقاظ المبكر والتركيز لساعات طويلة وإذا تم تغيير مواعيد النوم بشكل مفاجئ، فقد يشعر الطفل بالتعب والانفعال وصعوبة التركيز.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن النوم يؤثر بشكل مباشر في قدرة الطفل على التركيز والتعلم والتعامل مع المدرسة، وأن الأطفال بين 6 و12 سنة يحتاجون عادة إلى 9 إلى 12 ساعة من النوم يوميًا، بينما يحتاج المراهقون إلى 8 إلى 10 ساعات.
لذلك، فإن إعادة تنظيم النوم قبل العودة المدرسية بفترة تساعد الطفل على الانتقال بشكل أكثر سلاسة.
الضغط الدراسي.. عندما تتحول المدرسة إلى مصدر للخوف
قد لا يكون الخوف من المدرسة مرتبطًا بالانفصال أو تغيير الروتين فقط بالنسبة إلى بعض الأطفال، تكون النتائج والامتحانات والمقارنة مع الآخرين مصدرًا حقيقيًا للضغط.
وقد يشعر الطفل بأنه مطالب دائمًا بالحصول على أفضل العلامات، خاصة عندما يسمع عبارات مثل: “يجب أن تكون الأول” أو ” فلان حصل على أعداد أحسن منك.”
هذه المقارنات قد تجعل الطفل يربط قيمته الشخصية بنتائجه الدراسية، فيصبح كل اختبار بالنسبة إليه مصدرًا للخوف بدل أن يكون فرصة للتعلم.
لذلك، يحتاج الطفل إلى أن يفهم أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، وأن قيمته لا تتحدد بعلاماته فقط.
كيف يمكن للأولياء مساعدة أطفالهم؟
التهيئة النفسية للعودة المدرسية تبدأ قبل اليوم الأول حيث تنصح الجمعية الأمريكية لعلم النفس بالعودة تدريجيًا إلى الروتين المدرسي، بما في ذلك تعديل أوقات النوم والاستيقاظ وتجهيز المستلزمات مسبقًا لتقليل ضغط الأيام الأولى.

ومن أهم الخطوات:

أولًا: الحوار.
خصص وقتًا للحديث مع طفلك عن العودة إلى المدرسة لا تكتفِ بسؤاله: “هل أنت سعيد بالمدرسة؟” بل حاول معرفة ما يخيفه وما ينتظره.
ثانيًا: عدم التقليل من مشاعره.
إذا قال الطفل إنه خائف، لا تجبه بـ ” لا داعي للخوف”، الأفضل أن تقول له إن الشعور بالخوف في بداية تجربة جديدة أمر طبيعي، وأنك ستساعده على تجاوزه.
ثالثًا: العودة التدريجية إلى الروتين.
من الأفضل تعديل أوقات النوم والاستيقاظ تدريجيًا قبل بداية الدراسة بدل انتظار الليلة الأخيرة.
رابعًا: تجنب الضغط الزائد.
العودة المدرسية ليست سباقًا للحصول على أعلى معدل منذ الأسبوع الأول، يحتاج الطفل إلى فترة للتأقلم واستعادة نسق الدراسة.
خامسًا: الاستماع بعد انتهاء اليوم الدراسي.
لا تجعل الأسئلة كلها حول العلامات والواجبات، اسأل الطفل أيضًا: كيف كان نهارك؟ مع من لعبت؟ ماهو أكثر شي أسعدك اليوم؟ وهل هناك من ضايقتك؟
سادسًا: التعاون مع المدرسة.
إذا استمر القلق أو ظهرت صعوبات واضحة في الاندماج، يمكن التواصل مع المعلم أو إدارة المؤسسة لمعرفة ما يحدث داخل المدرسة ومساعدة الطفل على التأقلم.


متى يصبح القلق بحاجة إلى اهتمام أكبر؟
القلق في الأيام الأولى من العودة المدرسية قد يكون طبيعيًا ومؤقتًا لكن ينبغي الانتباه إذا أصبح شديدًا أو استمر لفترة طويلة، خاصة إذا بدأ يؤثر في نوم الطفل أو دراسته أو علاقاته أو حياته اليومية.

ومن العلامات التي تستحق المتابعة: الرفض المتكرر للذهاب إلى المدرسة، نوبات الخوف الشديدة، آلام البطن أو الصداع المتكرر، اضطرابات النوم، الانسحاب من الأصدقاء والأنشطة، أو تراجع واضح في الأداء والمشاركة.

في هذه الحالة، من الأفضل عدم اعتبار الأمر مجرد تهرب من الدراسة، بل محاولة فهم السبب الحقيقي، والاستعانة عند الحاجة بمختص في الصحة النفسية للأطفال.

العودة المدرسية ليست امتحانًا للطفل فقط

في النهاية، العودة إلى المدرسة هي مرحلة انتقالية يحتاج فيها الطفل إلى الوقت والدعم حتى يستعيد توازنه.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى محفظة جديدة وكراريس وأقلام، بل يحتاج أيضًا إلى الشعور بالأمان، وإلى والدين يستمعان إليه دون أحكام، وإلى مدرسة تساعده على الاندماج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *