تونس أمام تحدّي الأمن الطاقي.. هل تنجح في تقليص اعتمادها على الغاز الجزائري؟
تواجه تونس تحديات متزايدة في مجال الأمن الطاقي، في ظل تراجع استقلاليتها الطاقية، وارتفاع اعتمادها على الغاز الطبيعي الجزائري، إلى جانب الصعوبات التي تعترض تطوير إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، على غرار الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وتطرح هذه التحديات تساؤلات بشأن قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من الطاقة، خاصة في فترات ارتفاع الطلب، وتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، بما يساهم في الحد من التبعية للغاز الطبيعي وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
الغاز الجزائري.. ركيزة أساسية لتأمين احتياجات تونس
وفق معطيات المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، تغطي المشتريات المباشرة للغاز الجزائري، إلى جانب العائدات المتأتية من عبوره نحو أوروبا، ما بين 65 و70 بالمائة من الاستهلاك الوطني للغاز، في حين يعتمد إنتاج الكهرباء في تونس بنسبة تقارب 98 بالمائة على الغاز الطبيعي.
ويجعل هذا الاعتماد الكبير المنظومة الطاقية التونسية عرضة للتقلبات والإشكاليات المرتبطة بتوفير الغاز، كما يطرح تحديات تتعلق بقدرة البلاد على ضمان استمرارية التزويد بالكهرباء في فترات الأزمات.
ولا تقتصر هذه الصعوبات على التبعية للغاز الجزائري، بل تشمل أيضًا تراجع الاستقلالية الطاقية، وتقلّص كميات الغاز العابرة نحو أوروبا، وما ينجرّ عن ذلك من انخفاض العائدات المرتبطة بعملية العبور.
عقد عبور الغاز الجزائري يطرح تساؤلات بشأن المستقبل
وتتزايد التحديات مع اقتراب موعد انتهاء عقد عبور الغاز الجزائري عبر الأراضي التونسية، والمبرمج في أفق سنة 2027، مع إمكانية التمديد إلى سنة 2029.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الجزائر على تعزيز علاقاتها الطاقية المباشرة مع إيطاليا، بينما تسعى دول أخرى، من بينها المغرب ومصر، إلى تطوير مشاريعها في مجال الطاقة وتعزيز موقعها كشريك استراتيجي لأوروبا.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات بشأن مستقبل الدور الذي تضطلع به تونس في نقل الطاقة نحو الأسواق الأوروبية، وانعكاسات أي تغييرات في علاقاتها الطاقية الإقليمية على مواردها ومصالحها الاقتصادية.
اضطرابات صيف 2026 تكشف هشاشة المنظومة الطاقية
وأعادت الاضطرابات التي شهدها صيف سنة 2026، إثر عطب في الشبكة الكهربائية الجزائرية أثّر على واردات تونس من الكهرباء خلال فترة ارتفاع الطلب، تسليط الضوء على التحديات التي تواجه البلاد في تأمين احتياجاتها الطاقية.
كما أعادت هذه التطورات طرح مسألة قدرة المنظومة الكهربائية التونسية على مواجهة الأزمات وضمان استمرارية التزويد، في ظل الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي ومحدودية تنوع مصادر إنتاج الكهرباء.
وتبرز هذه الوضعية الحاجة إلى تعزيز مرونة المنظومة الطاقية، وتطوير البنية التحتية، وتنويع مصادر التزويد، بما يحدّ من تأثير الاضطرابات الخارجية على السوق المحلية.
الطاقة الشمسية والرياح.. خيار استراتيجي لتونس
وأمام هذه التحديات، يبرز تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة باعتباره أحد الخيارات الاستراتيجية لتقليص التبعية للغاز الطبيعي وتعزيز الأمن الطاقي.
وتمتلك تونس إمكانات في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يمكن استغلالها لتطوير إنتاج الكهرباء وتنويع المزيج الطاقي، بما يساهم في الحد من الاعتماد على الغاز الطبيعي وتخفيف الضغوط على موارد البلاد.
كما يتطلب تحقيق هذا الهدف تطوير البنية التحتية، وتعزيز الربط الكهربائي، وتسريع إنجاز المشاريع المبرمجة، إلى جانب اتخاذ قرارات استراتيجية تضمن استدامة المنظومة الطاقية وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد.
وفي هذا السياق، تبرز تجارب دول إقليمية، على غرار المغرب ومصر، في تطوير مشاريع الطاقات المتجددة وتعزيز التعاون الطاقي مع أوروبا، باعتبارها تجارب تطرح إمكانية الاستفادة منها في صياغة الخيارات التونسية المستقبلية.
الأمن الطاقي محور الدورة التاسعة من منتدى تونس
وتُطرح هذه الملفات للنقاش خلال الدورة التاسعة من منتدى تونس، الذي ينظمه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، بهدف بحث مستقبل الأمن الطاقي في تونس وتحديد الأولويات والقرارات الاستراتيجية الكفيلة بتعزيز السيادة الاقتصادية للبلاد.
ويتمثل التحدي الأساسي أمام تونس في الانتقال من منظومة تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي إلى منظومة أكثر تنوعًا واستدامة، قادرة على ضمان التزود بالطاقة ومواجهة الأزمات الخارجية.
وبين ضرورة تأمين الإمدادات الحالية وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، يبقى تحديد الخيارات الاستراتيجية والقرارات الواجب اتخاذها اليوم عاملًا حاسمًا في رسم مستقبل الأمن الطاقي التونسي وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

