إدارة النفايات في تونس: نحو اقتصاد دائري وتنمية مستدامة
شهدت تونس خلال العقود الأخيرة نمواً اقتصادياً واجتماعياً ملحوظاً، انعكس في توسع عمراني متسارع وزيادة الضغط على النظم البيئية واستنزاف الموارد الطبيعية وقد فرض هذا الواقع تحديات بيئية متزايدة دفعت الدولة إلى تطوير سياسات وطنية لحماية البيئة، تطورت تدريجياً من مقاربة تقليدية في التسيير البيئي إلى رؤية شاملة ترتكز على التنمية المستدامة والاقتصاد الدائري.
نحو وعي بيئي متزايد ومسؤولية جماعية
وأصبحت حماية البيئة وترشيد استغلال الموارد الطبيعية قضية اجتماعية واقتصادية كبرى، تمس كل فرد في المجتمع إذ لم تعد مسألة النفايات مسؤولية حصرية للسلطات، بل مسؤولية جماعية يمكن لكل مواطن أن يساهم فيها من خلال سلوكيات يومية بسيطة مثل الفرز من المصدر، وتقليل الاستهلاك، وإعادة التدوير، هذه الممارسات، رغم بساطتها، لها أثر مباشر على تحسين جودة الحياة والمحافظة على البيئة.
الإطار القانوني والمؤسساتي لإدارة النفايات في تونس
تقوم منظومة إدارة النفايات في تونس على إطار قانوني ومؤسساتي متكامل يحدد مسؤوليات مختلف الأطراف:
على المستوى الوطني: تتولى وزارة البيئة ووزارة الداخلية والوكالة الوطنية للتصرف في النفايات الإشراف على السياسات والبرامج.
على المستوى المحلي: تضطلع البلديات بدور محوري في جمع النفايات والتصرف فيها وفق القوانين المنظمة.
على مستوى المنتجين: يعتمد مبدأ “الملوث يدفع” و“المنتج-المسترجع” لتحميل المسؤولية البيئية للفاعلين الاقتصاديين.
كما تدعم هذه المنظومة مجموعة من النصوص القانونية والمراسيم المنظمة لمختلف أنواع النفايات مثل النفايات الخطرة، زيوت التشحيم المستعملة، البطاريات، الإطارات، والنفايات الصحية.
الاستراتيجية الوطنية للانتقال البيئي
في إطار التحول نحو نموذج تنموي أكثر استدامة، وضعت تونس الاستراتيجية الوطنية للانتقال البيئي، التي تقوم على خمسة محاور رئيسية:
الحوكمة والتمويل
التغيرات المناخية
حماية التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية ومكافحة التصحر
الإنتاج والاستهلاك المستدام ومكافحة التلوث
العلم والثقافة والتربية البيئية
وتعكس هذه الاستراتيجية التزام الدولة بتعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية من قطاع عام وخاص ومجتمع مدني.
البرامج الوطنية لإعادة التدوير وتثمين النفايات
تعتمد تونس مجموعة من البرامج القطاعية التي تهدف إلى تثمين النفايات وتحويلها إلى موارد اقتصادية، من أهمها:
برنامج Eco-Lef لإعادة تدوير العبوات البلاستيكية
برنامج Eco-Zit لاسترجاع زيوت التشحيم المستعملة
برنامج Eco-Batteries للبطاريات الرصاصي
برنامج Eco-Pneus للإطارات المستعملة
برنامج Valo-Zit لاستغلال الزيوت الغذائية المستعملة
برنامج DEEE لمعالجة النفايات الكهربائية والإلكترونية
برنامج التسميد (Compostage) للنفايات العضوية
وتساهم هذه البرامج في تقليص حجم النفايات الموجهة للمطامر وتحويل جزء مهم منها إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام أو التثمين.
نتائج وإنجازات ملموسة
حققت تونس خلال السنوات الأخيرة نتائج مهمة في مجال إدارة النفايات، من أبرزها:
جمع أكثر من 15 ألف طن من زيوت التشحيم المستعملة سنوياً.
استرجاع أكثر من 13 ألف طن من البطاريات الرصاصية.
جمع مئات الأطنان من النفايات الإلكترونية عبر مراكز مختصة.
تثمين آلاف الأطنان من الزيوت الغذائية المستعملة.
إنتاج مئات الأطنان من السماد العضوي من خلال برامج التسميد.
جمع آلاف الأطنان من الإطارات المستعملة وإعادة تدويرها.
كما ساهمت برامج التسميد في دعم الفلاحة المستدامة عبر تحويل النفايات العضوية إلى أسمدة طبيعية، ما يقلل من الاعتماد على الأسمدة الكيميائية ويحسن جودة التربة.
التحديات والآفاق المستقبلية
ورغم التقدم المحقق، لا تزال إدارة النفايات في تونس تواجه عدة تحديات، أبرزها ضعف الوعي البيئي في بعض المناطق، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستثمار في الاقتصاد الأخضر.
وفي هذا السياق، تتجه تونس نحو تبني استراتيجية طويلة المدى أفق 2035، ترتكز على الاقتصاد الدائري، وتقليص التلوث، وتعزيز الابتكار البيئي، إلى جانب تطوير الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وتمثل إدارة النفايات في تونس اليوم أحد المحاور الأساسية للتنمية المستدامة ومن خلال تطوير الإطار القانوني، وتعزيز البرامج الوطنية، ونشر الوعي البيئي، تسعى البلاد إلى بناء نموذج تنموي جديد يقوم على تثمين الموارد وحماية البيئة، بما يضمن توازناً بين النمو الاقتصادي وجودة الحياة للأجيال القادمة.

