أخبار

العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى القطيعة.. أبرز محطات الأزمة

لم تعد الخلافات بين الجزائر والإمارات مجرد تباين في المواقف أو اختلاف في الرؤى بشأن ملفات إقليمية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة بلغت ذروتها بإعلان الجزائر قطع علاقاتها مع أبوظبي، قرار جاء بعد مسار طويل من التوتر، تداخلت فيه ملفات الصحراء الغربية والساحل وليبيا، إلى جانب اتهامات متبادلة بشأن التدخل في الشؤون الداخلية والنفوذ الإقليمي. وبينما تتجه العلاقات نحو واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، يطرح هذا التصعيد سؤالًا أساسيًا: كيف وصلت العلاقات بين البلدين، التي كانت تقوم على التعاون والاستثمار، إلى القطيعة؟

الجزائر والإمارات.. كيف وصلت العلاقات إلى القطيعة الدبلوماسية؟

تحولت الخلافات بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة من تباين في المواقف السياسية إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، قبل أن تبلغ ذروتها اليوم بإعلان الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي.

وأعلنت الجزائر أن قرارها جاء بعد ما وصفته بـ«أعمال استفزازية وعدائية» متكررة من الجانب الإماراتي، مؤكدة أن جميع محاولات الحفاظ على العلاقات وتجاوز الخلافات قد استُنفدت وبموجب القرار، أُمهل السفير الإماراتي في الجزائر 48 ساعة لمغادرة البلاد.

لكن القطيعة لم تأتِ بشكل مفاجئ، إذ سبقتها سلسلة من المؤشرات على تدهور العلاقات، شملت ملفات سياسية وأمنية وإقليمية واقتصادية.

من علاقات التعاون إلى التوتر

كانت الجزائر والإمارات تحافظان لسنوات على علاقات دبلوماسية واقتصادية، مع وجود تعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والنقل.

غير أن التباينات السياسية بدأت تتسع تدريجيًا، خصوصًا مع اختلاف مواقف البلدين بشأن عدد من الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الصحراء الغربية، وليبيا، ومنطقة الساحل، والعلاقات مع إسرائيل.

كما برزت خلافات مرتبطة بالدور الإماراتي في المنطقة، في وقت تبنت فيه الجزائر سياسة خارجية تقوم على التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم ما تعتبره حق الشعوب في تقرير مصيرها.

الصحراء الغربية.. أحد أبرز جذور الخلاف

يُعد ملف الصحراء الغربية من أهم الملفات التي عمّقت الهوة بين الجزائر والإمارات.

فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسك بمبدأ تقرير المصير، بينما اتجهت الإمارات في السنوات الأخيرة إلى دعم الموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية.

وجاء ذلك في سياق إقليمي شهد تحولات كبيرة، خصوصًا بعد تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل عام 2020 ضمن اتفاقيات أبراهام، وهي الخطوة التي عارضتها الجزائر بشدة.

كما أن الإمارات كانت من الدول العربية التي أقامت علاقات مع إسرائيل، في حين حافظت الجزائر على موقف أكثر تشددًا تجاه التطبيع، وربطت موقفها بالقضية الفلسطينية.

وهكذا أصبح الخلاف بين الجزائر وأبوظبي جزءًا من تنافس أوسع على النفوذ والمواقف داخل المنطقة المغاربية والعربية.

الساحل وليبيا والسودان.. صراع على النفوذ؟

لم يتوقف الخلاف عند الصحراء الغربية، فالجزائر تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها مجالًا حيويًا لأمنها القومي، بحكم حدودها الطويلة مع مالي والنيجر وليبيا.

في المقابل، عززت الإمارات خلال السنوات الماضية حضورها السياسي والاقتصادي في عدد من الدول الإفريقية والعربية، الأمر الذي جعلها لاعبًا مؤثرًا في ملفات إقليمية مختلفة.

وتتهم تقارير وتحليلات الجزائر أحيانًا أبوظبي بدعم أطراف أو سياسات تعتبرها الجزائر مضرة بمصالحها الأمنية، خصوصًا في ليبيا والساحل والسودان وهذه الاتهامات أصبحت جزءًا من الخطاب الذي رافق تدهور العلاقات، وإن كانت بعض التفاصيل محل خلاف ولم تُثبت جميعها بشكل مستقل.

قضية منطقة القبائل

من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الجزائر مسألة حركة تقرير مصير منطقة القبائل، التي تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية.

وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت اتهامات جزائرية للإمارات بدعم أطراف أو تحركات ترى فيها الجزائر تهديدًا لأمنها ووحدة أراضيها.

وفي 2026، ازدادت حدة هذه الاتهامات في الإعلام الجزائري، بالتزامن مع الحديث عن إمكانية وصول العلاقات إلى القطيعة غير أن أبوظبي لم تعلن، بحسب المصادر المتاحة، تبنيها رسميًا لهذه الاتهامات أو تأكيدها.

2024.. بداية مرحلة أكثر توترًا

في أفريل 2024، وجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون انتقادات إلى دولة عربية لم يسمها، متحدثًا عن استخدام الأموال للتدخل في بؤر توتر حول العالم، وفُهمت تصريحات في وسائل الإعلام على نطاق واسع باعتبارها إشارة إلى الإمارات.

ورغم استمرار الاتصالات الرسمية بين البلدين، فإن الأزمة ظلت تتراكم خلف الكواليس.

وفي جوان من العام نفسه، التقى تبون بالرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا، في مشهد عكس أن قنوات التواصل لم تكن قد أُغلقت بالكامل.

2025.. الأزمة تخرج إلى العلن

خلال 2025، أصبحت الخلافات أكثر وضوحًا، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن ملفات الأمن الإقليمي والتدخلات الخارجية.

كما تزامن ذلك مع استمرار التوتر الجزائري المغربي حول الصحراء الغربية، وهو ملف له تأثير مباشر على العلاقات الجزائرية مع عدد من دول الخليج.

وبحسب تقارير إعلامية، اتخذت الجزائر تدريجيًا خطوات لتقليص مستوى التعاون مع الإمارات، في مؤشر على أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر.

فيفري 2026.. أزمة الطيران تتحول إلى رسالة سياسية

جاء التطور الأبرز في فيفري 2026، فقد أعلنت الجزائر بدء إجراءات إنهاء اتفاق خدمات النقل الجوي مع الإمارات، وهو اتفاق يعود إلى عام 2013 وصودق عليه عام 2014.

ورغم أن القرار يمكن أن يبدو للوهلة الأولى إجراءً متعلقًا بالطيران، فإن توقيته وسياقه السياسي جعلاه يُقرأ باعتباره رسالة قوية إلى أبوظبي.

وبعد ذلك، أعلنت شركة طيران الإمارات خططًا لإنهاء رحلاتها إلى الجزائر مطلع 2027، في خطوة عكست عمق التدهور في العلاقات الثنائية.

لماذا قررت الجزائر قطع العلاقات الآن؟

بحسب الرواية الجزائرية، لم يكن القرار نتيجة حادث واحد، بل جاء بعد تراكم ما وصفته السلطات الجزائرية بأعمال استفزازية وعدائية، وبعد فشل محاولات متكررة لمعالجة الخلافات.

وتقول الجزائر إن استمرار هذه الممارسات جعل الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية أمرًا غير ممكن.

وبالتالي، فإن قرار 10 سبتمبر 2026 يمثل نهاية لمسار تصاعدي بدأ منذ سنوات، وانتقل من الاختلاف السياسي إلى خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، ثم إلى إجراءات اقتصادية ونقلية، وصولًا إلى القطيعة الرسمية.

ماذا يعني قطع العلاقات؟

قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة قطع كل الروابط بين الشعبين أو إلغاء جميع المصالح الاقتصادية بشكل فوري، لكنه يمثل واحدة من أشد درجات التوتر بين دولتين.

ومن المنتظر أن ينعكس القرار على:

التمثيل الدبلوماسي والقنصلي.

حركة السفر والنقل الجوي.

الاستثمارات الإماراتية في الجزائر.

المبادلات التجارية.

التعاون الاقتصادي.

التنسيق في الملفات الإقليمية.

وضع الجاليتين والمصالح القنصلية في البلدين.

كما أن تداعيات القرار قد تتجاوز العلاقات الثنائية، بالنظر إلى موقع الجزائر والإمارات في ملفات إقليمية عديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *