أخباربيئة

لماذا اجتاحت قناديل البحر الشواطئ التونسية هذا الصيف؟

تشهد عدة شواطئ تونسية هذا الصيف انتشارًا لافتًا لقناديل البحر، في ظاهرة أصبحت محل اهتمام المصطافين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يتداولون يوميًا صورًا ومقاطع فيديو لأعداد كبيرة منها على الشواطئ.

وتناول المهندس والخبير في الشأن البيئي والمناخي حمدي حشاد هذه الظاهرة في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، مقدّمًا مجموعة من التفسيرات المرتبطة بارتفاع حرارة البحر والتغيرات التي يشهدها النظام البيئي البحري.

نوع موجود طبيعيًا في المياه التونسية

بحسب حشاد، فإن النوع الذي يُلاحظ بكثرة هو Rhizostoma pulmo، وهو نوع موجود طبيعيًا في البحر الأبيض المتوسط والمياه التونسية، وبالتالي فهو ليس نوعًا دخيلًا أو كائنًا ظهر فجأة في سواحل البلاد.

ويتمثل السؤال الأساسي، وفق هذا الطرح، في أسباب ارتفاع كثافته وتواتر ظهوره خلال الفترة الأخيرة.

ارتفاع حرارة البحر من أبرز العوامل

يربط حشاد جزءًا مهمًا من الظاهرة بارتفاع درجات حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط، الذي يشهد منذ سنوات موجات حر بحرية أكثر تواترًا وشدة.

ويمكن لارتفاع حرارة المياه أن يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة لبعض مراحل نمو وتكاثر قناديل البحر، كما قد يؤدي إلى إطالة الفترة التي تظهر خلالها بأعداد كبيرة.

وفي مناطق مثل خليج قابس، حيث المياه الضحلة والدافئة والإنتاجية البيولوجية المرتفعة، تتوفر أصلًا ظروف مناسبة لهذا النوع، وقد يؤدي الاحترار المتواصل للمتوسط إلى استمرار هذه الظروف لفترات أطول من السنة.

التلوث والإثراء الغذائي

لكن ارتفاع الحرارة ليس العامل الوحيد، فارتفاع كميات الملوثات والمواد العضوية والمغذيات التي تصل إلى المناطق الساحلية، نتيجة التلوث وتصريف المياه المعالجة في البحر، يمكن أن يساهم في حدوث ظاهرة الإثراء الغذائي .(Eutrophication)

وتؤدي هذه الظاهرة إلى تغير تركيبة العوالق والشبكة الغذائية البحرية، بما قد يوفر في بعض المناطق ظروفًا أكثر ملاءمة لنمو وانتشار قناديل البحر.

تراجع المفترسات واختلال التوازن البحري

ويضاف إلى ذلك الضغط المتزايد على الثروة السمكية والتغيرات التي طرأت على التوازنات داخل النظام البيئي البحري.

فتراجع بعض المفترسات الطبيعية لقناديل البحر يمكن أن يساهم، في ظروف معينة، في ارتفاع أعدادها، خاصة عندما يتزامن ذلك مع ارتفاع حرارة المياه وتوفر الغذاء.

وكان حشاد قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن تراجع بعض المفترسات الطبيعية للقناديل، ومنها السلاحف البحرية وبعض الأسماك الكبيرة، يمكن أن يساهم في انتشارها، إلى جانب تأثير التلوث وارتفاع كمية العوالق في بعض المناطق الساحلية.

الرياح والتيارات البحرية

كما تلعب الرياح والتيارات البحرية دورًا في تحديد أماكن تجمع القناديل، فقد تدفع التيارات أعدادًا كبيرة منها نحو الساحل، ما يجعل شاطئًا معينًا يشهد خلال ساعات كثافة كبيرة من القناديل، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تكاثرت في المنطقة نفسها.

كائنات أقدم من الديناصورات

قناديل البحر ليست كائنات جديدة على بحارنا أو على كوكب الأرض؛ فهي تنتمي إلى مجموعة بحرية قديمة جدًا، تعود أسلافها إلى أكثر من 500 مليون سنة، وقد ساعدها تاريخها التطوري الطويل على امتلاك قدرة كبيرة على التأقلم مع التغيرات البيئية.

واليوم، يمكن أن تؤدي التغيرات السريعة في حرارة البحار والظروف البيئية إلى توفير ظروف أكثر ملاءمة لبعض أنواع القناديل، بما يسمح لها بالانتشار والتكاثر في مناطق وفترات معينة.

» عصر سيادة قناديل البحر «

ويذكّر هذا الطرح بما أصبح يعرف في الأبحاث العلمية بمفهوم Jellyfication، أي تحول بعض الأنظمة البحرية إلى بيئات تزداد فيها هيمنة قناديل البحر نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها الاحترار والتلوث والصيد المفرط واختلال التوازنات الغذائية.

وبالتالي، فإن انتشار قناديل البحر على الشواطئ التونسية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ظاهرة صيفية عابرة، بل يمكن أن يكون جزءًا من تحولات أوسع يشهدها البحر الأبيض المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *