أخبار

التغيّر المناخي والعواصف المتوسطيّة: تحديات متزايدة على ضفاف المتوسط

يُعدّ البحر الأبيض المتوسط من الأحواض البحرية ذات الخصوصية المناخية الفريدة، إذ يختلف في خصائصه الفيزيائية والمناخية عن المحيطات المفتوحة مثل المحيط الأطلسي، وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة العواصف التي تتكوّن فوقه. فعلى عكس السواحل الأمريكية التي تتعرّض بانتظام لأعاصير مدارية قوية، لا يشهد البحر الأبيض المتوسط هذا النوع من الأعاصير بنفس الشدة أو الامتداد، وذلك بسبب محدودية مساحته وانخفاض متوسط حرارة مياهه مقارنة بالمحيطات المدارية، وهي عوامل أساسية في نشوء الأعاصير العملاقة.

غير أن هذا الاختلاف لا يعني أن البحر الأبيض المتوسط بمنأى عن الظواهر الجوية العنيفة، إذ يعرف هذا الحوض البحري نوعًا خاصًا من العواصف يُطلق عليه اسم “الأعاصير المتوسطيّة” أو ما يُعرف علميًا بـ Medicanes، وهي عواصف تجمع بين خصائص الأعاصير المدارية والعواصف خارج المدارية. تتشكل هذه الظواهر غالبًا خلال فصلي الخريف والشتاء عندما تتقاطع كتل هوائية باردة مع مياه بحرية أكثر دفئًا، فتنتج عنها دوّامات هوائية قد تكون مصحوبة برياح قوية وأمطار غزيرة، وأحيانًا بفيضانات مدمّرة في المناطق الساحلية.

وقد شهدت عدة دول مطلة على البحر الأبيض المتوسط، مثل إيطاليا واليونان وليبيا وتونس، آثارًا مباشرة لهذه العواصف خلال السنوات الأخيرة، حيث تسببت في خسائر بشرية ومادية، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية، وأثّرت على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسواحل، خاصة الصيد البحري والسياحة، ورغم أن هذه الأعاصير المتوسطيّة أقل قوة غيرها من حيث سرعة الرياح ومدى الانتشار، فإن خطورتها تكمن في سرعتها المفاجئة، وضعف الاستعداد لها، وتركّز تأثيرها في مناطق حضرية كثيفة السكان.

ومع تصاعد وتيرة التغيّر المناخي العالمي، تشير العديد من الدراسات إلى أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط قد يساهم في زيادة حدّة هذه الظواهر الجوية وعدم انتظامها، مما يجعل العواصف أكثر تكرارًا وشدة كما أن ارتفاع مستوى سطح البحر يزيد من قابلية المناطق الساحلية للتضرر، سواء عبر الفيضانات أو تآكل السواحل، وهو ما يفرض تحديات إضافية على دول الحوض المتوسطي في مجالات التخطيط العمراني وإدارة المخاطر الطبيعية.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن البحر الأبيض المتوسط لا يواجه الأعاصير المدمّرة بذات الشكل الذي تعرفه الولايات المتحدة، لكنه يظل عرضة لعواصف جوية متزايدة الخطورة تتطلب استراتيجيات وقاية وتكيّف فعّالة  ويصبح تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير البنية التحتية المقاومة للمخاطر المناخية، وتكثيف التعاون الإقليمي بين دول المتوسط، عناصر أساسية للتقليل من آثار هذه الظواهر وحماية المجتمعات الساحلية على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *